كم كانت عظيمة بخصالها.. وفية لوطنها.. حنوناً بقلبها.. ثرية بعقلها


الشيخة نشمية الأحمد: «ملحمة» في عشق الكويت.. و«نهر عطاء» بلا حدود




نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


كتبت مرفت عبد الدايم :

من الصعب على الانسان ان يعيش لحظات الفرح والاعتزاز باحتفالات البلاد بالأعياد الوطنية والتحرير، دون ان يستذكر شخصية عشقت تراب الكويت وهواءها، وطالما تغنت بهذا العشق وأظهرته على الملأ في العديد من المحافل، سواء على المستوى المحلي أو العربي أوحتى العالمي، انها "عاشقة الكويت" وفقيدتها الشيخة نشمية الأحمد الجابر الصباح التي رحلت عن عالمنا وتحل ذكراها الخامسة بعد ايام.


فمع تلك الأيام والأفراح التي تشهدها الكويت ومع ما تشهده شوارعها ومبانيها التي ازدانت بأعلام الكويت واستنارت بنور قلوب أهلها، نتذكر الاحتفالات التي كانت تقيمها تلك المرأة الفاضلة التي أقل ما يقال عنها انها بالفعل امرأة من زمن الحب والعطاء، امرأة قدمت الكثير والكثير لخدمة الكويت وأهلها، فكانت خير سفير لبلدها.

منارة فكر

ففي مثل هذا الوقت من كل عام، كانت فقيدة الكويت وعاشقتها الشيخة نشمية تفتح قلبها قبل منزلها للمهنئين من مختلف الطوائف والمذاهب، ومن مختلف الجنسيات والأوساط والتخصصات، من دبلوماسيين وأدباء وسياسيين وأكاديميين ومسؤولين واعلاميين، لتحتفل معهم بالأعياد الوطنية، ولا ننسى ديوانيتها الأسبوعية التي تحولت الى منارة فكر وثقافة يتبادل روادها من جميع التخصصات كل قضايا الفكر والمعرفة وهموم المواطن الكويتي والعربي فتبحر معها في عواصم الفكر والمعرفة فتجد لديها ما يثري عقلك ويغذي فكرك.

عاشقة الكويت

ولا ننسى علم الكويت العملاق الذي تزين به منزلها في منطقة الشويخ فيراه القاصي والداني، وفي الداخل نلمس في كل ركن من أركان منزلها كم هي عاشقة للكويت ولرمزها علم الكويت، الذي كانت تحمله بيدها الحانية لترفرف به يمينا ويسارا ليشدوا الجميع " عاشت لنا الكويت وعاش أهلها "
وكيف لنا ان ننسى صاحبة القلب الأبيض والابتسامة الهادئة، تلك الشخصية المتواضعة في تعاملها مع الناس، العظيمة بأخلاقها العالية الرفيعة، الكريمة في بيتها،


الأصيلة في عراقتها، فاذا كنا نبحث عن الطيبة والتواضع والرقي في التعامل، كنا نقصدها، فالحديث معها كان له طعم خاص تشعر معها بالأمان والطمأنينة، فيعود اليك الأمل عندما تلمس اهتمامها لمشاكل وهموم وطنها ومشكلاته، ورفضها للضعف والاستسلام، وكراهيتها للخيانة والوقيعة والخداع، كانت ترفض التلون وترى ان قول الصدق هو أقصر الطرق وصولا للحقيقة،

وتؤكد نبذها للنفاق، والأكثر من ذلك انها كانت تكره النميمة لذا لم تكن ترغب في المشاركة في الجلسات النسائية التي لا هم لهن الا الحديث عن الأخريات، فكانت تنأى بنفسها عن تلك المجلس وعندما كنا نسألها عن عدم مشاركتها، كانت تقول، أكره بشدة النميمة، وجلسات النساء تكثر فيها النميمة لذا لا أحبها ولذلك ديوانيتي الأسبوعية مختلطة ولا مجال فيها اطلاقا للنميمة.

عقل راجح

من منا لا يعرف تلك الشخصية التي جمعت العديد من الخصال، ففي الأعياد نراها تسعد وتفرح مع الجميع، وفي ديوانيتها الأسبوعية الزاخرة بالأحاديث المختلفة في شتى انواع المعرفة، في الأدب، والسياسة والدين والفلك والفن وكل مجالات العلم والمعرفة نجدها تشارك بوجهات نظرها التي طالما كانت تعبر عن تلك الشخصية الفذة صاحبة العقل الراجح المتفتح والمطلع على مختلف الثقافات.

مولد الفجر

وها هي العاشقة المحبة لوطنها والتي قهرت بصبرها أشهر الاحتلال العراقي الغاشم وهي بعيدة عن أرض الوطن، لم تستطع وقد بزغ فجر التحرير في السادس والعشرين من فبراير 1991 الا ان تطلق مشاعر الفرح بالفجر الآتي على سواعد أهل الوطن، واصفة فراق الوطن بانه "موتة لاتطاق"

قضية الوطن

لم يكن البعاد عن الوطن في تلك الفترة العصيبة مجرد انتظار لعودة الحق والشرعية الدولية، بل فعل وعمل وجهود متواصلة من أجل قضية الوطن التي آمنت بها، فكان لها العديد من المشاركات في المسيرات للتعريف بهذه القضية، وعقدت المؤتمرات الصحافية لتؤكد للعالم كم هو عزيز الوطن، وكم هي غالية قطرات الدم التي سالت من أبناء وشهداء الكويت الذين ضحوا بأرواحهم فداء للكويت.

عودة الحق

ولاننسى ما قالته عقب عودة الحق والشرعية الدولية " تحرير الكويت، انتصار للحق وردع للباطل ان أعظم أيام تاريخ الكويت هو يوم عيدها الوطني ويوم عيد التحرير ورفع علم الكويت على كل شبر من أراضيها الحرة المستقلة.. عيد عودة الكويت للكويتيين وطن عزة وكرامة، فهي دائما منبع العزة والكرامة والخير والعطاء لكل أبنائها.

مؤمنة بالمرأة

ولانها مؤمنة بكفاءة المرأة الكويتية وقدرتها التي جسدتها تجربة الغزو، فقدمت نفسها شهيدة من أجل الوطن، أيقنت بحكمة العارف المجرب ان المرأة الكويتية قادرة ايضاً على خوض المعترك السياسي، وأكدت في اكثر من مناسبة اهمية حصول المرأة الكويتية على حقوقها السياسية وطالبت الرجل بتأييد المرأة حتى تنال هذا الحق الذي تستحقه عن جدارة، بل انها توقعت وصول المرأة الى قبة عبد الله السالم، وحملها للحقيبة الوزارية.

انا قدساوية

وعلى الصعيد الرياضي نتذكر عشقها لنادي القادسية، ولا ننسى أبدا مقولتها " انا قدساوية حتى النخاع " فقد كان لها دور فاعل في دعم الرياضة الكويتية بشكل عام ونادي القادسية بشكل خاص، فكانت تستضيف الرياضيين من مختلف الاندية، ولكن يبقي عشقها للقادسية في المقام الأول.

نشأة حانية

نشأت الشيخة نشمية في منزل تسوده عاطفة الحب والحنان والتواضع حيث العلاقة الطيبة تجمع افراد الاسرة الصغير فيها يحترم الكبير والكبير يعطف على الصغير الجميع يتفهم احتياجات الاخر،

ويقدرها وفي ذلك قالت الشيخة نشمية:
تشربنا من الوالد الشيخ أحمد الجابر الصباح قوة الشخصية وبعد النظر وتفحص مجريات الحياة بكل دقة ودراسة صحيح كنت شقية وأنا صغيرة وكثيرة الحركة لكن في الوقت نفسه اعرف أين تنتهي حدودي فلا اتعداها، كل واحد منا يعرف ما له وما عليه، تعلمنا من صاحب السمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد الكثير من الامور فكان مرشدنا ومعلمنا وقائدنا ونعم الشقيق الذي احتوانا وعلمنا ان الناس سواسية لا فرق بين غني وفقير، وعلمنا الخلق الرفيع والفكر المستنير وكيف نسامح ونغفر.

آراء من ذهب

كان للشيخة نشمية رأيها الواضح في قضية الحقوق السياسية للمرأة وكانت تؤكد مرارا وتكرارا ان المرأة الكويتية قادرة على خوض المعترك السياسي ولا تقل في ذلك عن شقيقها الرجل اما عن ارائها حول مسايرة النظام العالمي واللحاق بركبه فأكدت في اكثر من مرة ان من لم يستطع مسايرة النظام العالمي سيظل في المؤخرة، وكانت تقول ان الكويت عامرة بالمثقفين واصحاب العقول النيرة بل انها عامرة بعمالقة الثقافة والادب ينصهرون في بوتقة اكثر اتساعا ونظرا للتقدم التكنولوجي الرهيب الذي يخيم على العالم علينا ان نسابق انفسنا لنلحق بركب الحضارة والتطور.


وفي قضايا التعليم كان لها رأي صريح وواضح حيث قالت: ما يشهده العالم من تطور وتقدم تكنولوجي يتطلب تحديث المناهج لتواكب عملية التطور العالمي ولابد ان تخضع المناهج للتطوير بشكل دائم.

مواقف راسخة

كما كانت لها مواقفها في القضايا الاقتصادية حيث أكدت اكثر من مرة على اهمية الارتقاء بالتنمية البشرية وادارة الجودة الشاملة حتى تتمكن السوق المحلية من المنافسة في الاسواق العالمية.
وفي هذا السياق كانت تؤكد على اهمية دعم المشاريع الصغيرة واعطاء الاولويات للمشروعات التي تحقق قيمة مضافة عالية التي تساهم في نقل وتوطين التكنولوجيا والاستفادة من الانترنت في دعم التجارة الالكترونية ودعم التعاون الاقتصادي والارتقاء بقدرات القوى البشرية.

عشق العلم

اما عشقها الكبير لعلم الكويت فله قصة وحكاية حيث تقول الشيخة نشمية مرارا وتكرارا: اعشق الكويت وترابها واحب رائحتها واحب ارضها وسماءها، فالكويت تعني لي الكثير وعلم الكويت رمز للدولة لذلك يوجد في كل ركن من اركان منزلي وفي مجوهراتي وملابسي واطقم السفرة والمفارش والشموع، فهناك غرام وعشق بيني وبين علم الكويت.


رحلت الشيخة نشمية الاحمد تاركة محبيها الذين عرفوها بحرا من التأمل ونبعاً من العطاء وأملا بالغد، لقد استطاع المرض العضال ان يسرق من اهل الكويت نجمة تلألأت في سماء الخير ووجها اجتماعيا دفاقا بالامومة والاخوة وكل مشاعر النبل الانساني.

رحلت الشيخة نشمية بانتقال روحها الطاهرة الى دار البقاء والخلود، لكنها ستبقى حاضرة في قلوبنا وذاكرتنا التي ترسخت فيها صور جرأتها وانسانيتها ونبلها، والاهم ذلك الحب الفياض الذي حملته للكويت.

في كل مناسبة وطنية سنتذكر اقوالها في الوطن، كيف لا وهي من دعت الكويتيين ليعبروا قدر ما استطاعوا عن معاني الولاء والانتماء في عيد بلدهم وهي من خاطبت امهات الشهداء قائلة: «كل ابن من أبنائكم ولد لكل اسرة كويتية».